الخميس، 9 يونيو 2011

"متحف هيكل الحضارات" في لبنان.. يحكي للأجيال أمجاد وطن

http://www.alarabonline.org/index.asp?fname=%5C2011%5C05%5C05-19%5C440.htm&dismode=x&ts=19-5-2011%209:41:45
19-5-2011 9:41:45
ميشال صقر يعيد نحت تاريخ البشرية نحتا ورسماً

"متحف هيكل الحضارات" في لبنان.. يحكي للأجيال أمجاد وطن

بيروت –العرب أونلاين: يتفاوت اهتمام اللبنانيين بفن النحت على النحاس وخاصة النحت البارز حيث تتراوح الآراء بين العاشق له وبين الذي لا يعنيه الموضوع وإذا أردنا تعريف هذا النوع من الفن فهو النقش الذي تبرز فيه الأشكال والتصاميم من خلفيتها و بات ينظر إلى النحت في عصرنا الراهن كثقافة جمالية لها أولوية التعريف والحديث عن قيم الجمال ولغة الدلالات البصرية في "المتروك" التاريخي "الأثر".

ونظرا لأهمية هذه اللغة فلسفيا وبصريا ظهرت نخبة من النحاتين الذين استطاعوا أن يفرضوا وجودهم محليا وعربيا وعالميا محققين إنجازات حازت مكانة رفيعة أدت إلى انفتاحها خارجا.

ويحتضن هذا النوع من الفنون في قلب جبال لبنان "متحف هيكل الحضارات" الذي أنشأه الفنان اللبناني ميشال صقر في قضاء بلدة جبيل التي تبعد حوالي ساعة من الوقت عن العاصمة اللبنانية بيروت فهناك اكتشفنا فنا فريدا من نوعه يتمثل بمجموعة كبيرة من الأعمال الفنية المنحوتة بشكل نافر على صفائح من النحاس مهرتها أنامل ميشال صقر لتختزل في دلالاتها محطات بارزة من الحضارات الإنسانية على مر العصور خصوصا الحضارة الإسلامية التي غيّرت وجه التاريخ ما أثار اهتمام مندوب وكالة الأنباء السعودية لزيارة هذا الصرح الفني والتوغل في صفحات التاريخ والتعرّف على هذا الفن وأهميته في لبنان والمنطقة العربية فعاد بهذا الاستطلاع.

"من لا ماضي له.. لا حاضر ولا مستقبل له" بهذه العبارة يختصر الفنان ميشال صقر جميع الأسباب التي دفعته إلى تحويل قصره عام 1985 الذي يقع على مسافة 8 كلم إلى الشرق من قضاء جبيل وعلى رابية ترتفع 500 متر من محمية "بنتاعل" إلى متحف يعيد عبره رواية تاريخ البشرية نحتا ورسما ويحكي للأجيال تاريخ وطن احتضن أمجادا وحضارة فذهب البعض إلى تشبيهه بقلعة جبيل التاريخية أو القلعة الثانية في المنطقة.

وحث الأمة العربية على إدراك جسامة خطورة طمس الحضارات التاريخية معتبرا أن الحل يبدأ عبر تربية الأجيال الطالعة للتعمّق في تاريخ حضاراتهم في ظل الثورة التقنية التي رغم ما قدمته من تطور وانفتاح على العالم إلا أنها أقصتهم عن التبحر في أعماق جذورهم إذ من المؤسف أن يسأل المئات من أبناء اللبنانيين عن مكان "المتحف الوطني" فلا يعرفون.

ويرى صقر أن النحت البارز يعكس تطوّر الحضارة وفن العصر الذي أنجز فيه هذا النحت كما إن حضارة الشعوب تقاس ببريق فنها فكلما تقدمت حضارة شعب ما تقدم معها الفن الذي ولد فيها والفن عنوان الحضارة ومقياس وعيها الجمالي والحضاري وتحديداً النحت الذي يشكل توثيقاً لتنامي الإدراك الإنساني والتاريخي لذلك توجّه صقر إلى الدول العربية عامة ولبنان خاصة لإيلاء اهتمام أكبر بوزارتي البيئة والثقافة كون قوة البلد تتجلى ببيئته وثقافته.

ومن عصارة جولاته في الدول العربية حيث عمل مهندسا للديكور ومتعهدا تزيين الكثير من القصور في الدول العربية اعتبر صقر أن عشاق هذا الفن هم من المثقفين وتحديدا الأغنياء كون المثقف الثري "بنظر صقر" يشكل رأس المال الأكبر فيما الغني الجاهل لا يهتم سوى بالبذخ المفرغ من قيم جمالية في ديكور قصره فالمال سلاح ذو حدين إما يرفع وإما يدمر إنسانيا إذ يتوه البعض غير المثقف في عالم المال إلى حد فقدان ذاته البشرية فيبتعد عن وجوده وهويته.

واعتبر صقر أن الشعوب العربية عامة والشعب اللبناني خاصة مثقفون بالمجمل ويقدرون الفن البارز وللأسف لبنان يتجه نحو الحاجة ولا تسمح إمكانياته باقتناء لوحات فنية.

وتأكيدا لمدى ثقافة السعوب العربية التقينا بالأستاذ نادر بدر الدين في منزله الذي يعج بلوحات نحاسية مترامية في مختلف الأرجاء وبالرغم من إمكاناته المتواضعة فهو يخصص مبلغا كل سنة لشراء لوحات نحاسية جديدة في حين تهوى السيدة علياء دياب اللوحات الزيتية للطبيعة ولا تحب اقتناء اللوحات أو القطع النحاسية.

وإذا توغلنا في تاريخ الفن البارز سنجد أنه فن عريق عرفته العديد من الحضارات كالفرعونية والآشورية حيث نقش النحاتون أشكالا بارزة منذ آلاف السنين ففي العصور الحجرية كانوا ينقشون أو يخدشون أشكالا وتصاميم بارزة كما كان المصريون القدماء والإغريق يستعملون كل أنواع النحت البارز في قصورهم ومعابدهم ولغاية اليوم يستخدم النحت البارز في مجالات عدة.

وعن الفن البارز يقول صقر "هناك عدة طرق للدخول في التاريخ وأحاول أن أمسك خيطا من هذا التاريخ وأمثل جزءا من الذين تحسسوا هذا الطريق عبر الفن البارز بالنحاس الذي يتطلّب قراءات معمّقة في التاريخ للتمكّن من ترجمة مشهد تاريخي معين إلى لوحة فنية".

في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن النحت على النحاس هو من الفنون العريقة وهذا النوع عرفه الآشوريون منذ 1800 سنة قبل المسيح ونفذه الفينيقيون على الحجر والفخار غير أنه لا يمارس اليوم إلا في عدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي خصوصا في مناطق القوقاز وجورجيا إضافة الى الصين والبرازيل وأهم ما في هذا الفن أنه يتيح حتى للأعمى أن يتحسس جماله ويقدر قيمته.

ويشرح صقر آليه إبداعه الفني قائلا "أقوم برصد الجمال في الطبيعة والبشر لأصوغ ما شاهدته العين وما أحست به الروح تحفا فنية وكل يوم أكتشف أنني لا شيء بالنسبة للتاريخ فبالرغم من الاكتشافات التكنولوجية إنما التاريخ هو الذي عبد الطريق للتوصل إلى هذه الاكتشافات".

وفي جولة على جنبات المتحف نشعر بأن الحضارات التاريخية تحتضننا من كل الاتجاهات حيث يضم جدرانيات بارزة من الفن الإسلامي والمسيحي وأخرى تجسد القيم الإنسانية والجمالية للحضارات القديمة كالفينيقية التي أورثت العالم الحروف الأبجدية .

وفيما الحديث يتوالى عن الإبداعات المتواجدة في المتحف كالنقد المنقوش على النحاس والمستقدمة من العراق منذ آلاف السنين يبين صقر أن ينبوع هذا المتحف هو فينيقي وروافده آشورية وبابلية وحضارات العصور القديمة مرورا بعصر النهضة ووصولا إلى القرن العشرين لافتا إلى أن متحف "هيكل الحضارات" يضم أكثر من 30 منحوتة تختصر جوهر الحضارات الإنسانية وفلسفتها وسبعين لوحة ملوّنة تربط الفن بالتاريخ والحياة.

ويستوقفك أثناء الجولة تميز أسلوب الفنان صقر النحتي المغرق بشفافية التكوين وشاعرية إيحائه البصري على العين المتأملة وتستميلك في عمله الخطوط اللينة وشاعرية اللون البني المندرجة بينها إضافة إلى براعة أنامله في بناء اللوحة التصويرية بتقنية النحت البارز.

ويتبلور التصور الفني للفنان ميشال صقر في المملكة العربية السعودية حيث أمضى جزءا كبيرا من حياته فانعكس الطابع الإسلامي للمملكة في لوحاته النحاسية حيث نرى خلال الجولة لوحات من التراث الإسلامي يطغى عليها الطابع الزخرفي الذي تميزت به الأعمال الفنية الإسلامية كاللوحات النحاسية المنقوش بآيات قرآنية وشتى أنواع الخطوط العربية مثل الخط الكوفي والرقعي والنقطي وسواها. وفي الوقت الذي يعتقد الكثيرون بأن التطور التقني فتح المزيد من الآفاق أمام تطوير الحرف القرآني والارتقاء به يرى صقر أن هذا التطور التقني في وسائل الطباعة قد أفقد هذا الحرف دوره وأهميته وإبداعه.

وفي هذا السياق يطالب سكان منطقة جبيل بضرورة إيلاء هذا المتحف رعاية رسمية تسهم في تعميم محتواه ضمن النشرات السياحية وأن يكون جزءا من المقاصد والمعالم السياحية والفنية الموجودة في لبنان.

وحرص ميشال صقر على جعل المتحف مركزا يستقطب الناس حفاظا على التراث وتعميما للفائدة الثقافية والتاريخية لذلك يشهد ندوات ولقاءات فنية متعددة ويعتزم الفنان على إقامة معهد تدريبي لتعليم الفن البارز في حال توفرت له الامكانيات لأنه يرى في هذا الفن "لغة محكية بين الناس.. فلم يكن الفن يوماً فوقيا هو الفن تواضع في الآراء ولغة متواصلة بين الناس، وتعبير عن حقائق معاشة" لذلك فهو ينحاز الى الفن الكلاسيكي الذي يستطيع الناس التواصل معه.

ولا يسعنا في الختام إلا أن نعبر عن احترامنا لجهود ميشال صقر الذي يعمل على إحياء الماضي السحيق فيما الغرب يسعى اما لسرقة حضاراتنا او طمسها وفي هذا الإطار نلاحظ مدى الجهود التي تبذلها الدول العربية لحماية هذه الثروات التاريخية التي تزخر بها من خلال تشكيل هيئات تعنى بالآثار التاريخية والمحافظة عليها .-واس-

Alarab Online. © All rights reserved.

أرشيف المدونة

المسجد النبوي الشريف - جولة إفتراضية ثلاثية الأبعاد

About This Blog


Labels