الأحد، 25 سبتمبر 2011

الوطن | جعل من التنقيب مهمة سهلة...مرمم آثار سوري يبتكر تقنيات متنوعة تستقطب اهتمام الخبراء العالميين

الوطن | جعل من التنقيب مهمة سهلة...مرمم آثار سوري يبتكر تقنيات متنوعة تستقطب اهتمام الخبراء العالميين

2011-09-25 |

بطبيعة الحال، يتطلب الاختراع شخصية نقدية لا تستكين لما يجول في محيطها من أدوات وحلول دون التمحص في قدرتها على أداء وظائفها بأكثر ما يكون من سهولة وفاعلية.

المخترع صباح قاسم، مرمم آثار قضى القسط الأكبر من حياته ضمن صفوف فرق وطنية وعالمية ومشتركة، وفي طريقه هذا الذي اختطه لحياته العملية عن شغف تبدى في سن مبكرة قضى معظمها يجول بين المواقع الأثرية في مدينته «عامودا» في محافظة الحسكة، برزت شخصيته المبدعة التي استطاعت تذليل الكثير من العقبات التي يواجهها خبراء الآثار في عملهم، مزعزعاً بذلك صورة نمطية للعاملين في هذا القطاع على اعتبارهم هواة «التقليدية المفرطة».
لا تشي المعارض بمنافع اقتصادية تعود عليه تبعاً لطبيعة اختراعاته، إلا أن المخترع قاسم يحرص على مشاركته في معرض الباسل للإبداع والاختراع لأنها تملأ مساحة عاطفية في داخله كمخترع سوري يتشارك مع أقرانه في مناسبة وطنية يتبادلون خلالها خبراتهم ورؤاهم لا بل قد يصل الأمر إلى إقامة تعاون لحل بعض المشاكل التي قد تعترض أعمالهم.
وللمخترع قاسم خمسة اختراعات متخصصة بميدان التنقيب الآثاري والترميم، وقد قدمها جميعها في الدورة الأخيرة من معرض الباسل للإبداع والاختراع.

قطار ترحيل بالدفع الذاتي
أول الاختراعات التي قدمها المخترع قاسم عبارة عن قطار يعمل بقوة الدفع الذاتي بمسار متنوع يراوح بين 400 و300 و800 متر، وباستطاعة نقله تبلغ طناً من الأتربة لا يستغرق نقلها أكثر من دقيقتين.
وتتجلى أهمية القطار باعتباره يؤمن إنجازاً سريعاً في أعمال الحفريات الأثرية، ففي مواسم الحفريات يمكن للأعمال العادية أن تؤدي إلى حفر 50 متراً مكعباً من الأتربة يوميا، بينما بوساطة هذه القطارات يمكن أن تصل قدرتها على حفر إلى مئات الأمتار المكعبة.
يقول المخترع قاسم: لدى حالياً 3 قطارات مركبة تعمل في موقع «أوركش» موطن أرقى الحضارات السورية، وتقع في الشمال بالقرب من الضاحية الشرقية لمدينة عامودا، وتعمل هذه القطارات منذ نهاية 2002 على قدم وساق، ومنذ ذلك الحين وهي تثبت بجدارة سرعة الإنتاج في تقنيات الحفر.
ويضيف قاسم: «إن دخول الآليات الثقيلة إلى مواقع الحفر الأثرية يسيء إلى المواقع، ومن المحتمل حدوث أضرار جسيمة بحق هذه المواقع كما أن اهتزازاتها قد تؤدي إلى تحطم بعض المعالم والبقايا الأثرية الموجودة تحت التراب حتى قبل أن نعلم بوجودها، كما أن لنقل التراب عبر الحفريات أن يعرض حياة عامل الحفريات للخطر.. أما بوساطة هذا القطار فلا داعي لأي أحد الاقتراب باتجاه هذه الحفريات، ويكفي وضع حوامل الأتربة على السكة فتقوم بالعمل وحدها.. القطارات السككية المبتكرة تساعد على حماية الآثار بالدرجة الأولى، كما على سرعة الإنتاج وتقنية العمل».
ويشرح قاسم طريقة عمل القطار قائلاً: «تعتمد تلك القطارات على قوة الدفع الذاتي (على الميول الفيزيائي) من الأعلى من الأسفل، بينما ثقل الحاوية التي تحمل الأتربة من أسفل الموقع الأثري تقوم بتسيير نفسها إلى أعلى الموقع الأثري بسرعة تتراوح بين 33 و50 كيلو متراً بالساعة، وما دامت السكة مزودة بسكة ثانية ولمجرد وجود أو تجمع 25 حاوية فارغة في أعلى الموقع الأثري يتم وصل حلقة معدنية على شكل سلسلة من الحبال تقوم بعد ذلك إحدى الحاويات التي تم ملؤها في الأسفل بالصعود عبر إنزال الحاويات الفارغة الموجودة في الأعلى بعد أن تفرغ تلك الحاويات حمولتها».

جسر محمول للرفع
أما الاختراع الآخر الذي ابتكره المخترع قاسم فعبارة عن جسر محمول على ساقين معدنيتين بطول 27 متراً، يقوم بحمل التراب من الأسفل إلى الأعلى باستطاعة حمولة تبلغ 250 كيلو غراماً في الدقيقة الواحدة، حيث يبدأ المسار الخاص به من 30 وحتى 65 متراً.
ويبين قاسم بأن هذا الاختراع: «يعمل منذ 8 سنوات مع البعثة الأثرية الألمانية في موقع «قطنة»، وقد كان له الأثر الكبير في حفر المسبح الملكي الموجود في الموقع، وفي عام واحد من استخدامه تم إنجاز ضعف ما استغرقته البعثة في ثماني سنوات كاملة.
الحفاظ على الجدران الأثرية

تحتاج عمليات دراسة الجدران الأثرية إلى عوامل حماية تكفل عدم سقوطها أثناء القيام بذلك، وخاصة إن تطلب الأمر فترة طويلة من الزمن.
ولضمان أطول وقت ممكن، ولفترات تكفل للباحث الأثري إنهاء الدراسة خلال الوقت الذي يريده، قدم المخترع قاسم مثقباً محمولاً على أرجل مهمته تثبيت الجدران، كما قدم تقنية جديدة في عملية الترميم بإدخال مادة «الليف»، والتقنية الأخيرة شهدت عروضاً عديدة في عدد من الجامعات الأوروبية الأميركية.
والمثقب المحمول على أرجل جهاز قابل للمعايرة للعمل في جميع أنواع التضاريس مع إتاحة تثبيته في الأرض المستوية أو المائلة أو حتى المتدرجة، كما يعمل على زاوية 180 درجة أفقي ومثلها عمودي.
وعن الأهمية التي ينطوي عليها هذا المثقب، نوه قاسم بدوره في ثقب الجدران الأثرية ثقوباً مائلة من درجة الميلان صفر وحتى 180 درجة، أي بالميول التي يريدها أو يحتاج إليها المنقب على مبدأ «الموازنة لرفع الثقل»، بما يسهم في الحفاظ على عمر الجدار الأثري لأطول وقت ممكن ولفترات كافية كي يتسنى للباحث الأثري إنهاء الدراسة خلال الوقت الذي يريده.
وأكد قاسم دور المثقب في ترميم العديد من الجدران الأثرية في موقع حضارة «أوركش» الأثري و«قطنة» والمدفن الملكي، بطريقة عجز عنها العديد من علماء الآثار في جامعات أوروبا والولايات المتحدة، لافتاً إلى أن هذه السنة العاشرة التي يعمل فيها المثقب دون أي هبوط في مستوى أدائه.
ويضيف قاسم: «وفي الوقت ذاته قمنا بإدخال الليف في ترميم الجدران الترابية وهو ما أعطانا تقنية عالية وثباتية في العمل، مشيراً إلى أن مادة الليف تحافظ على متانته لأكثر من عشرين عاماً تحت مختلف الظروف المناخية والعوامل الجوية من رطوبة وحرارة وغيرها.
وبيّن قاسم أنه يعكف حالياً على إدخال الليف مع الطينة حتى تسهم في الحفاظ على الجدران الأثرية لفترات طويلة من الزمن وذلك من خلال تشكيل قطعة واحدة محيطة بالجدار ويتم تطيين المنطقة فوقه وهو ما قدم للجدران متانة وجعلها متماسكة أكثر، موضحاً بأن الطريقة القديمة كانت تعتمد على استخدام جلود صناعية كانت تتلف لمجرد تعرضها للشمس أو المطر وغيرها، الأمر الذي كان يؤدي إلى تفسخ وتساقط الرمال وأجزاء الجدران الأثرية.

جهاز تجفيف الحفر الأثرية
الابتكار الرابع الذي توصل إليه قاسم عبارة عن جهاز بسيط جداً -كما يصفه- ومهمته تجفيف الحفر الأثرية.
ويبين قاسم أن الحفر الأثرية قد تحتوي مثلاً على بقايا بشرية وعضوية تالفة ورماد، إضافة إلى الأرض الهشة، ويمكن لدخول مياه الأمطار إلى هذا النوع من التربة أن يصيبها بهبوط إلى عمق 50 أو 60 سسنتيمتراً وأحياناً أكثر، ما يؤدي إلى تحول تربتها إلى ما يشبه الصلصال.
ويوضح قاسم أن مثل هذا الأمر تكرر مراراً، وأدى للإساءة إلى العديد من الحفر الأثرية، ما أفضى إلى محو الكثير من البقايا الأثرية فيها، الأمر الذي يتطلب الإسراع إلى حمايتها بالسرعة القصوى من مياه الأمطار خصوصاً والرطوبة عموماً. وهنا يأتي دور الجهاز البسيط الذي قمت بتصميمه، وهو يعمل على الغاز المنزلي باستطاعة تجفيف تصل إلى 4000 متر مربع بفترة زمنية مقدارها ساعتان.
وحظي الجهاز المبتكر باستحسان كبير من الباحثين الآثاريين، ومنهم الدكتور «بيتر فريزنر» الذي خصصه بمحاضرة ألقاها في إحدى جامعات برلين الألمانية، وفصل فيها فوائده ودوره في تأمين الشروط المثلى لحماية الحفرة الأثرية.

موقد متنقل للصهر
يساعد الابتكار الخامس الذي قدمه قاسم على العديد من الأعمال ذات العلاقة بالتنقيب الأثري ومنها على وجه الخصوص أعمال الصهر لبعض المعادن كالبرونز والرصاص والقصدير وحسب الحاجة.
وهذا الابتكار عبارة عن موقد متنقل يتألف من بوتقة معدنية مغلفة من الداخل بمادة تتحمل درجات عالية جداً من الحرارة بين 800- 1200 درجة، وهو يعد حاجة ماسة للقيام بالعديد من الأعمال أثناء التنقيب، كما يصلح استخدامه لإحماء القطع الثقيلة التي يصعب تحريكها، ما يتطلب موقداً متنقلاً يصل إليها ويساعد على تنفيذ المهمة المطلوبة بأسهل الطرق وأقلها كلفة.


حسان هاشم

أرشيف المدونة

المسجد النبوي الشريف - جولة إفتراضية ثلاثية الأبعاد

About This Blog


Labels