السبت، 30 يونيو 2012

عمارة القصور الاموية: البيئة المعمارية في بلاد الشام قبل الحكم الاموي

عمارة القصور الاموية: البيئة المعمارية في بلاد الشام قبل الحكم الاموي


عند ضفاف القراءة "الثانية" للعمارة الأسلامية
 GMT 5:50:00 2012 الأربعاء 27 يونيو

عند ضفاف القراءة "الثانية" للعمارة الأسلامية

خالد السلطاني

د.خالد السلطاني: اتوق (هل اقول أطمح؟!)، أن ارى العمارة الاسلامية في موقع يليق بها، موقع تستحقه فعلا وتشغل به مكانتها، ومكانها كاملاً في منتج المشهد المعماري العالمي وتنويعاته الاسلوبية، هي التى اقصتها طروحات "التمركز"؛ (التمركز الاوربي على وجه الخصوص)، الى مواقع مهمشة، بدت فيها، وكأنها لا يمكن لها أن تؤدي دورها الطليعي والهام في مهمة إجتراح إضافة معرفية للمنجز الثقافي الإنساني، أو إظهار تلك الإضافات في خطاب ذلك المنجز. سوف اتجاوز، هنا، سجالات إشكالية تحديد مصطلح "العمارة الإسلامية" ذاته، ومدى دقته وموضوعيته. اذ أثار هذا المصطلح وما انفك يثير كثيراً من النقاش والجدل حوله؛ فيما اذا كانت ثمة عمارة "إسلامية" فعلا، أم إن هذا المصطلح يتعين إيجاد بديل له،
لوحة مرسومة على جدران "قصير عمرة" لخليفة او أمير أموي، (711-715م)، بادية الأردن
يعكس بشكل وبآخر عمارة الشعوب المتنوعة إثنياً، وثقافياً، وجغرافياً التى انضوت  تحت راية الإسلام. لكن هذا التجاوز، لا يتعين ان يفهم كذريعة لتغييب حضور ذلك النشاط المعماري الفعال؛ والذي بدء يتكوّن ويظهر بقوة ووضوح في عمارة كثير من البلدان، التى اعتنقت الإسلام ديناً، وجعلت منه مرجعاً ثقافيا وإجتماعياً وسياسياً، وهي المصادر اياها، التى بمقدورها ان تؤسس لظهور إتجاه معماري مغاير.
أشعر أن إهتمامي بموضوعة العمارة الإسلامية، يمليه عليّ واجبي المهني والنقدي؛ مضاف اليه ولعي الشخصي بها. اشعر ايضاً، ان هذه الموضوعة قد اسيء لها كثيراً، وأمست، أحياناً، "ثيمة" لتجاذبات مختلفة، قد تكون ذات أهداف غير مهنية، وبمقاصد غير موضوعية. لا يمكن، بطبيعة الحال، للمرء بمفرده مهما اوتي من نشاط، وأهتمام، وولع، ومهنية، أن ينهض لوحده في إعادة ألاعتبار لهذا المنجز الحصيف. يتعين الإقرار بان التعاطي مع تلك المهمة، يجب ان تكون فعلاً مؤسساتياً، يشترك بها كثر من المهتميين، كل حسب إهتمامه في رسم بانوراما حقيقية وواقعية لها. وقد يكون هذا الشعور، هو الذي دفعني مؤخراً، للإهتمام بموضوعة عمارة القصور الإموية، كاحدى تجليات منجز العمارة الإسلامية، وهو مجال رحب، تستوجب إعادة القراءة له مجددا، نظراً للاهمال، والإجحاف، والتغييب، والتهميش، التي لحق بها من قبل كثر من الدارسيين العرب، والدارسيين الاقليميين وغير الاقليميين على حدٍ سواء.
يهمني، بالطبع، عدم الركون الى يقينية "الثوابت" المعرفية، الرائجة والمتداولة كثيراً عن العمارة الإسلامية. يهمني طرح اسئلة شائكة (واحياناً مشاكسة!)، تستفز المألوف والمتعارف عنها، وبالتالي تحث الفكر على رفض التقوقع، ناهيك بالنأي بعيداً عن التمسك بالقراءة الآحادية لما انتج معمارياً. يهمني، ايضاً، تناول المسكوت عنه في العمارة الإسلامية، والمهمش، والمغيب، واللامفكر فيه، سعياً وراء تكوين مقاربة نقدية، توفر لي، قراءة "ثانية"؛ استدل بها عن دلالات ما انتج سابقاً، وقيمة ذلك المنتج تصميمياً، والكشف عن ريادته لافآق معرفية ومعمارية جديدتين.
عندما نشرت مقالاً، قبل فترة، عن عمارة القصور الإموية، كاحدى ممارسات منتج العمارة الإسلامية والرائدة فيها، تفاجأ احد قراء مقالتي عن نشر صورة لأمرأة عارية موجودة على احد جدران تلك القصور. وقد كانت تلك الصورة، تمثل مع بقية الصور الآخرى، المزدحم بها الفضاء الداخلي للمبنى، قيمة تكوينية خلاقة، كرست خصوصية عمارة القصور الإموية ورفعت من تفردها في المشهد المعماري العالمي. وقد كتب معلقاً، في حينها، مبدياً شكوكه بوجود "..مثل تلك الصور معلقة او مرسومة...في قصر احد خلفاء بني أمية، ... لانه لا يمكن ان يتساهل المسلمون...مع الصور التى
 تفصيل من اللوحة السابقة: إمرأة تغتسل (من المحتمل زوجة الامير او عشيقته)، ورجال ينظرون لها من شرفة عالية. (توثيق الفريق الإسباني، 1975).

حرموها عن بكرة ابيها (التأكيد لي. خ. س.)، فما بلك صور النساء، ومن ثم عراة او عريانات!!!!. ..لذلك اشك ان تخص هذه الصور <قصور> بنى امية او المسلميين... والا يجب ان يعاد النظر في كل ما كتب عن المسلمين".
(رابط المقال مع التعليق في الآتي: اضغط هنا
)
ارى في تعليق هذا القارئ الكريم (وهو معمار، كما عرّف نفسه) نموذجاً يختزل ويعكس تصورات شائعة، منتشرة بصورة واسعة في اوساط متنوعة، بضمنها الاوساط المهنية. ولهذا ، فإني، طبعاً، أفهم شكوكه واقدرّها. ذلك لان الحديث عن "التحريم": تحريم الصور او المنحوتات، هو حديث مترسخ في ذهنية الجميع، وهو حديث بذل الدارسون بضمنهم الغربيين، (وخصوصاً الغربيين!) قدراً كبيرا من الجهد في شيوعه وتكريسه، ما يجعل التشكيك بوجود مثل تلك الصور وتغييبها، امراً عادياً، ومنتظراً، وحتى... "واجباً!". بيد اني، هنا، لا انوي الدخول في سجال حول هذه الإشكالية، فليس هذا مكانها (لطبيعة المقال وأهدافه).  لكني اود ان اشير بان هذه الصورة (وغيرها كثير!)، ليست انتحالاً، كما انها ليست إفتراضية. انها صور حقيقية وواقعية لما هو موجود في "انترير" القصور الاموية، (وفي غيرها من المنشآءات الاسلامية بمناطق مختلفة من العالم الاسلامي)؛ الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعا عن مدى صدقية "إطروحة" التحريم، المروج لها كثيراً. بل ان ثمة تساؤلاً (هو الاخر،اراه، مشروعا!)، يتبدى حاضراً، عن كيفية تمكن البعض في عرض قدرتهم على إسدال ستائر قاتمة من النسيان والتغاضي لما هو موجود واقعا وقائماً، ومن ثم "جعلنا" نتباهي(!) بعدم تصديق ما تراه العين البشرية؟!.
لا يدخر وسعاً، الخطاب النقدي المعاصر في تقديم انواع مختلفة من
تخطيط مرمم، للتفصيل في اللوحة السابقة، (من عمل الفريق الفرنسي، 2007)
الطروحات والمقاربات، المهتمة في الكشف عن الحدث/"النص"، وإعادة قراءته من زوايا مختلفة؛ فضلا على حضور التأويل (التأويل بمعناه الواسع)، كآلية توظف في مقاصد اثراء الفهم نفسه؛ الذي "..يسمح لنا بإعادة تعريف الأشياء ليتسع معنى الحقيقة"، كما يقول احد النقاد. فالنص المقروء، لا يتوقف عن كونه مجالا "لتوليد المعاني واستنباط الدلالات عبر عملية الفهم المنتجة من النص نفسه". وهذا الامر، يحيلنا الى مقاربه تعتني باللغة، بكونها <بنية مولدة للمعاني، وأن المعنى نشاط لغوي أولا وأخيرا>، كما يذهب، مثلاً، علماء الالسنية على وجه الخصوص. بيد إن التعاطي مع اللغة "المولدة" للمعاني، يتعين ان تمر عبر "مرشح" التصنيف الثلاثي للعقل العربي، كما يراه محمد عابد الجابري، وهو (البيان، العرفان، البرهان)، وكل منه، يمتلك نظامه المعرفي ومعاييره التى تحدد ميكانيزم عمله تجاه الحدث المدروس، ولاسيما البيان، كأداة معرفة، لا تنحصر مهمته في إطار اللغة، وأنما  يتبدى "اساساً منهجياً للاستدلال"، يمتد تأثيره الى علوم آخرى. بمعنى آخر، ينظر الآن الى <اللغة>، ليست بوصفها مجرد "..صناعة خطابية وقوالب من المواضعات المنطقية الجامدة"، ..وإنما عملية إنتاج معانٍ، وإعادة فهم دائم لتلك المعاني المتولدة.
في هذا المنحى، فإن الكتاب الصادر حديثا، (2011) في لندن ونيويورك، لمؤلفه "محمد حمدوني علمي" الباحث في جامعة بيركلي/ كاليفورنيا، بالولايات المتحدة، المعنون "الفن والعمارة في التقاليد الإسلامية: الجماليات، السياسات والرغبة في صدر الإسلام" M. H. Alami; Art and Architecture in the Islamic Tradition; Aesthetics, Politics and Desire in Early Islam” ، يعد نموذجا جيداً للموضوعة التى تحدثنا عنها تواَ. اذ ينشد المؤلف عبر اللغة، الى رؤية وتحليل الحدث المعماري الإسلامي في عصوره المبكرة. قد لا يتفق احد مع ما ذهب اليه المؤلف، ذو الاصول المغاربية، لكنه بالتأكيد يشير الى وسع الرؤى وتعددها، حيال ما انتج معماريا، وتحليل ذلك المنتج، وقراءته قراءة آخرى. فهو في هذا الشأن يضيف بعدا آخرا في مجال امكانية فهم وادراك العمارة الاسلامية أبان زمن التأسيس.
لا ريب، أن مؤلف "الفن والعمارة في التقاليد الإسلامية.."، تاق ان يكون كتابه مثيراً وطريفاً في آن. نظرا لمحتواه المميز ومنهجه في طرح المادة التى يستعرضها في كتابه. نحن، ايضاً، نشارك شعوره هذا، ونرى بانه كتاب مثير وطريف. وإعجابنا بالكتاب، لا علاقة له، بالخصوصية "المغاربية" او "المشارقية"، التى سعى وراء تأكيد حضور تباينها الذهني، مواطنه الجابري ذاته، (والذي نتحفظ على إطروحته هذه، ولا نقرّ استنتاجاته في هذا الخصوص)، هذا على الرغم، من اننا استشهدنا باحدى إطروحته قبل قليل.
إن طبيعة المقال، لا تتيح امكانية عرض وافي للكتاب، لكني ساسعى، في عجالة، الى التذكير، في الاقل،  بفصوله ومحتواه. يهتم المؤلف بــ "الغموض"، أو بالاحرى "الشعور بالغموض"، ويعتبره احد المصادر لفهم العمارة في صدر الإسلام. ثم يطرح رأيه في مفهوم "العمارة واللغة"، ويتحدث عن الروابط والعلاقات والمصادر، التى يمكن بها ان تدرك العمارة عن طريق اللغة. ثم يتطرق الى مفهوم " المعنى والمبنى". والى تشابك الفنون. ويرى ان هدف كتابه، يتمثل في طرح اسئلة مختلفة، ورسم متوازيات مع توظيف المصادر الادبية المتاحة، التى لم تستثمر كاملاً.  يشير "محمد حمدوني علمي" بان كتابه "يقدم برهاناً بان العمارة الاموية والعباسية اعتمدت على <طريقة عمل> (او كما يدعوها، وفق العبارة اللاتينية "مودس اوبراندي" Modus operandi )، التى تغدو "الوظيفية الشعرية" فيها هي المهيمنة والسائدة. اذ تتلاقى الوظائف الدلالية والرمزية وغيرهما، في الاعمال المعمارية، لكن تأثيرها ما برح ان يظل معني في اظهار الابهام والغموض، كاحد الوظاف الشعرية الاساسية. وكما يكتب المؤلف، " بالضد من الاراء السائدة، التى تعتبر الغموض، كعقبة في إدراك المعنى الفني للعمارة في العالم الإسلامي، فان كتابي يلفت الانظار الى الدور الاساسي للغموض في شعرية العمارة بشكل عام وفي العمارة <الإسلامية> بشكل خاص. من هنا فان مداخلتي تطور التوازي بين الشعرية العربية والنظريات اللغوية من القرن الثامن وحتى العاشر، وكذلك العمارة في الفترة نفسها " (ص. 27). ويضيف  بان بحثه سيركز على خمس قضايا اساسية، كل منها يقود الى مسار خاص ينطوي على شبكة من الاسئلة المختلفة، الخاصة بتاريخ الفن والعمارة في القرون الإسلامية الاولى. "وعلى خلاف كثر من الاراء المتداولة في هذا الحقل، يكتب محمد علمي، فانا اسعى وراء تبيان بان المؤلفين الاسلاميين الاوائل طوروا نظرية إلادراك البصري، عبر تفحص مؤلفات مختلفة سواء كانت نظرية أو لاهوتية (دينية)".

في الفصل الثاني، (بعد ان كرس الفصل الاول للتمهيد في كتابه)، يتناول المؤلف "المبنى والمعنى" في نظرية الجاحظ، ويمتحن مفهوم "البيان" المشار اليه في "كتاب الحيوان" وفي "البيان والتبيين"، والتى فيها تتمظهر العمارة (البنيان)، كوسط اساسي، مماثل الى الكلام والشعر. ان هذه الفكرة تدعم مفهوم الإهمية الكبرى للعمارة كمكوّن "للبيان"، في كلتا الحالتين: الجمالية الإسلامية، وبشكل اكثر اساسي، في الحياة المعاشة نفسها. وفي هذا الفصل
 راقصتان مرسومتان على جدار قصر خليفة عباسي في سامراء، (منتصف القرن التاسع).
فان المؤلف ، يتوق الى اعطاء قيمة منهجية لنظرية الجاحظ "للبيان"، كما اتت في كتابه. في الفصل الثالث يتناول "العمارة والشعرية".  وفي الرابع، يتحدث عن " العمارة والحكاية"؛ الذي ينشد فيه تحليل الحكاية (الإسطورة) العربية للعمارة المهيبة ( وكما تجسدت في اعمال الهمذاني وغيره)، بغية  إظهار الصفة الاساسية للغموض في الإدراك الإسلامي للعمارة والفنون. اما الفصل الخامس فخصصه الى موضوع "الجاحظ في مسجد دمشق: النقد الإجتماعي والمناقشات في تاريخ العمارة الإموية". وينهي كتابه بالفصل السادس المكرس الى "العمارة والرغبة".  

ويظل كتاب "الفن والعمارة في التقاليد الاسلامية.."، أحد النصوص، العابقة باريجها العطر والمميز، عند ضفاف "مجرى" القراءة الثانية للعمارة الإسلامية. والتى هي وغيرها من النصوص الجادة وغير النمطية، تجعل من مياه ذلك المجرى "المهني"، أوسع رحابة، وأكثر صفاءاً، والأهم تبقيه ... زاخراَ بالحركة والطزاجة!.□□



د. خالد السلطاني
مدرسة العمارة / الأكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

وهنا المقال المشار إليه

 GMT 17:00:00 2012 السبت 10 مارس

عمارة القصور الاموية: البيئة المعمارية في بلاد الشام قبل الحكم الاموي

خالد السلطاني
قصير عمرة، بادية الاردن
د. خالد السلطاني: لا يستقيم الحديث عن منتج عمارة القصور الاموية في بلاد الشام، وهو موضوع كتابنا هذا، مالم تدرك طبيعة وسمات البيئة الحاضنة، لذلك المنتج، التى اسهمت في "صناعته"، واوصلته الى مديات جدّ متقدمة، إن كان ذلك لجهة الحلول التكوينية، أم لناحية اللغة المعمارية. و "البيئة"، التى نتحدث عنها، لا نقصد بها دلالاتها القاموسية، أو معناها الآحادي. ذلك لان بيئتـ"نا"، هي في واقع الأمر، متشكلة من بيئات متعددة: فثمة بيئة تاريخية، وبيئة جغرافية، وآخرى ثقافية ورابعة عمرانية. وسنسبغ مداليل آخرى لمفهوم تلك الكلمة، اثناء تقصينا نماذج عمارة القصور الاموية، او عند تحليلها معمارياً. ومن دون ذلك، اي بدون الأخذ في نظر الاعتبار الانجازات المعمارية المتحققة سابقاً، والتى شكلت قاعدة معلوماتية اتكأت عليها نجاحات عمارة القصور المنجزة في العصر الاموي، ستكون قراءتنا لها غير كاملة، وسيتعذر علينا انتاج رؤى شاملة
صورة جدارية في قصير عمرة، بادية الاردن
وبانورامية لذلك المنجز الحصيف ومعرفته معرفة موضوعية، تكون بعيدة عن تدخلات الاهواء الذاتية.
ثمة، اذاً، حاجة يفرضها النزوع المعرفي الموضوعي، لايلاء أهمية مضافة الى طبيعة البيئات المتنوعة، والتى في كنفها تم تحقيق منجز عمارة القصور الاموية، اسلوباً ونماذجاً. يتعين التذكير، ابتداءاً، بان إطروحتنا، التى نسعى من خلالها إضاءة ذلك المنجز، لا تقرّ، مثلما تنأى بعيداً عن مفهوم الحواجز الزمنية الفاصلة. اذ ليس هنا، في اعتقادنا، من ثمة تخوم او حدود واضحة أو قسرية في صيرورات المسار التطوري للعمارة. صحيح ان ثمة رؤى جديدة، او انعطافات فكرية او ثقافية مغايرة، قد تكون قادرة على اسباغ خصوصية المنجز المعماري المتحقق بسمات جديدة، لكن ذلك "الجديد" يظل طويلا ينتمي الى ماسبقه.
عند فناء قصر الحلابات في وادي ضليل بالاردن
فتأثيرات طبيعة المواد الانشائية المحلية و"تكتونيتها" Tectonic، وسيادة الظروف المناخية والبيئية، فضلا على قوة توافر التقاليد البنائية ووجود البنائيين الماهرين، يجعل من ذلك كله، بمثابة عوامل تحدّ من نشوء "القطيعة" المعمارية، بصورة مفاجئة او حادة. وأذا أضفنا الى ذلك، تشابه النوعية Typology الوظيفية، ومألوفيتها، عند الحديث عن المنجز المعماري المتشكل تحت "سلطة" ألافكار الجديدة، فأن حضور "القطيعة" هنا، سيكون حضوراً رمزياً، لا يمكن له أن يؤثر تأثيرا حاسماً على طبيعة المنتج المعماري ومساره، خصوصاً في سنين التغيير الاولى. بعبارة آخرى، ثمة فرضية تجد لها تمثيلاً في استمرارية معرفية، ستكون ذات إثر واضح على منتج عمارة القصور الاموية الظاهرة في المشهد. وهذه الفرضية تستقي مصداقيتها من قوة ونفوذ طبيعة التأثيرات النابعة عن التقاليد البنائية وخزينها الممتلء عبر
قصر الخرانة، بادية الاردن.
فترات زمنية طويلة بخصائص محددة. ولهذا فان الاطروحة المفترضة، تحرص على تبيان ما تم انجازه سابقاً، كمدخل لادراك موضوعي لمنتج عمارة القصور الاموية، وقراءته قراءة تحليلية، تكون قادرة على اضاءه خصائصه التكوينية وتقييم قراراته التصميمية، وتعقب تأثيراته اللاحقة على سيرورات المنتج المعماري، إن كان ذلك على المستوى النوعي، بخاصة، ام على المستوى المعماري بعامة.
على أن مفهوم "الاستمرارية المعرفية"، لا ينبغي ان يفهم كباعث أو أداة لتجريد العمارة الاسلامية من إنجازاتها المتنوعة، وتحديداً المنجز الحاصل في عمارة القصور الاموية. فحضور المعرفة المستمرة، يتطلب وجود مؤثرات وحوافز عديدة، كي يمكن تفعيل نشاطها، ومن ثم جنيّ مكتسباتها. بخلاف ذلك، بخلاف عدم وجود مثل تلك المؤثرات والحوافز، ستضمر تلك المعرفة وتندثر، وقد تتلاشى قوة سلطتها وتأثيراتها، وربما يسدل عليها ستار النسيان، وتدخل، عند ذاك، دهاليز "القطيعة الابستيمولوجية"، التى يتعذر معها اجراء
لوحة زيتية في قصر الحير الغربي، البادية السورية.
التواصل، وبالتالي تحقيق الاستفادة. كما، تنبغي الأشارة هنا، بان مفهوم "الاستمرارية المعرفية"، ليس مفهوماً، تنطبق تأثيراته على العمارة الاسلامية حصراً. انه يخص جميع "العمارات" التى عرفتها الانسانية، والذي اعتبر عاملاً حاثاً في إكساب المنجز المعماري العالمي تبايناته العديدة، وتلاوينه المختلفة.
وقبل الحديث، عن خصائص النشاط المعماري ما قبل الفترة الاموية، يتعين، ولو باختصار، التطرق لظهور الحكم الاموي، ذلك الظهور الذي به تنتهي ملامح فترة تاريخية وبالتالي معمارية، وتبدأ فترة تاريخية آخرى.
تأسست الدولة الأموية عام 661م، يعد الحوادث الدراماتيكية، التي رافقـت خلافة علي (رض)، آخر الخلفاء الراشدين، بمبايعة " معاوية بن أبي سفيان " خليفة للمسلمين في إيلياء (القدس) سنة 660م( في شوال سنة 41هـ على ما ذكره المسعودي. وسنة 40 هـ على ما في الطبري، واليعقوبي ) (فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الثاني، بيروت، طبعة 1983، ص 35 [ لاحقاً : فيليب حتي " تاريخ سورية … "، ج 2 ]..
لكن معاوية اختار أن يجعل مدينة دمشق، عاصمة لخلافته وذلك لموقعها الاستراتيجي، ولمنزلتها الحضارية. وقـد دام حكم الأمويين "ألف شهـر"، وهـو ما يساوي (91) سنـة و (9) أشهر و (5) أيام، لحين مقتل "مروان بن محمد" ـ آخر خليفة أموي، في الديار المصريــة، بقرية "بوصير" عام 132هـ (750م). وكان عدد خلفاءهم [14] خليفة (،ثريا ملحس. الخلفاء الامويون، بيروت 1977 ص 3، ص 22). ظل معظمهم يتخذ من دمشق عاصمة لهم، على أن بعض الخلفاء اتخذ غيرها، ولفترات قصيرة، مكاناً للسكن والحكم.
لقد أسست العائلة الأموية، دولة واسعة، مترامية الأطراف، وأقامت نظاماً مركزياً، بسرعة فائقة "قلما شهد التاريخ مثيلاً لها " (عبقرية الحضارة العربية، ص 18.)، فخلال قرن واحد من ظهورها وصلت الفتوحات الإسلامية على أيديهم، مدى واسعاً جداً، فانضمت إلى الدولة الإسلامية، إبان الحكم الأموي، أقاليم كثيرة، ذات مساحة شاسعة، مثل بلاد فارس وأقاليم ما وراء النهر حتى تخوم الهند شرقاً وتـم إخضاع شمال أفريقيا، وفتح شبه جزيرة ايبيريا، بعبور الجيوش الأموية البرزخ الفاصل بين أفريقيا وأوروبا، ليصل المد العربي ـ الإسلامي ذروته، في ما وراء جبال البرنية، وليتوقف عند معركة " تور" الشهيرة، التي دعاها المؤرخون المسلمون بمعركة " بلاط الشهداء " عام (732م). (خالد السلطاني، العمارة الاموية، الانجاز والتأويل، دمشق، 2006، ص. 21-22)
قصر المشتى، بالقرب من عمان/ الاردن.

 وقصارى القول، فان الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي بلغت أوج عزها وانتشارها، لا سيما في عهد عبد الملك بن مروان، خامس خلفاء بني أمية ( 685 ـ 705م) وأبنائه الأربعة ففي خلافة الوليد (705 ـ 715م) وأخيه هشام (724- 743م) بلغت الدولة " أوسع حدودها، فامتدت من شواطيء المحيط الأطلسي وقمم البرنية، حتى حدود الصين. فكانت تفوق باتساعها مساحة الإمبراطورية الرومانية في أوسع حدودها، ولم يسبق للإمبراطورية العربية قبل ذلك العهــد، ولا تأتى بعده، أن تبلغ إلى هذا المدى". (فيليب حتي، تاريخ سورية، الجزء الثاني، ص 64 ).
لقد ضمت، اذاً، الدولة الاموية المترامية الاطراف مناطق جغرافية شاسعة، قطنتها إثنيات متنوعة ذات ثقافات بنائية مختلفة. وهذه الثقافات افرزت منتجاُ معمارياً غنياً ومتنوعاً؛ اثر من دون شك، على تسريع انضاج تكوينات المنجز المعماري الاموي، وذلك لاسباب عديدة، بضمنها تنقل البنائيين بسهولة وآمان، ومعهم خبرتهم المعمارية، الى مختلف الاقاليم ضمن هذه الدولة الواحدة، وتعرفهم على تقاليد بنائية جديدة. لكننا، وبسبب طبيعة موضوعنا المحدد "تابولوجياً" وتصميمياً، فاننا سنقصر كلامنا على رقعة جغرافية معينة، هي بلاد الشام، والتى على اديمها ظهر وتشكل منتج القصور الاموية، ذي اللغة المعمارية المميزة، المتأثر صياغته التكوينية، كما أشرنا، بتقاليد ونجاحات الموروث البنائي الخاص لهذه المنطقة.
اننا نعي، بان فكرة نجاح منتج تصميمي نوعي، ستكون ذات فائدة قصوى لنجاحات تصميمية نوعية آخرى. بمعنى آخر، أن الانجازات المتحققة في عمارة الابنية الدينية، على سبيل المثال، ستؤثر بدورها على نشاط عمارة الابنية الدنيوية، والعكس صحيح. ان التعاطي مع المنتج المعماري، اياً تكن نوعية "تابولوجية" ذلك المنتج، والمحكوم باستمرارية الظروف البيئية والمناخية، وتوفر نوعية خاصة من المواد الانشائية، فضلا على وجود الخبر البنائية المكتسبة، عادة ما يتجلى في مداخلات تصميمية محددة. وهذه المداخلات تشترك فيا بينها في علاقات متشابكة تنحو الى ايجاد أجوبة متماثلة ومميزة لكيفية علاقة الكل مع الاجزاء، والعام والخاص، والداخل والخارج، والامتلاء والفراغ. ويفضي، كل هذا، الى تحقيق منتج معماري يتسم على خصائص معينة، هي في الحقيقة، استجابة لتلك المداخلات.
لا توجد قرائن أكيدة، عن وجود نشاط معماري في بلاد الشام، قبل ظهور الحكم الاموي، يماثل او يشابه نوعية مباني القصور، التى انشئت للخلفاء والامراء الامويين. فهذا النشاط، الذي اعتبر احد تمثلات النشاط المعماري "المدني" في العمارة الاسلامية، عد في نفس الوقت نشاطاً فريدا وجديدا في آن. وبحسب " اوليغ غربار" فان الممارسة المعمارية لمباني القصور الاموية، يمكن لها ان تسد "الثغرة" النوعية/ التابولوجية، لتلك الممارسات التى توقفت عند بناء "الدارات" الرومانية " الفيلا المدينية" Villa Urbana و "الفيلا الريفية" Villa Rustica ابان العصر الروماني. ( تراث الاسلام، عالم المعرفة، الكويت 1998، ص. 338). ببد ان عدم وجود نشاط مماثل لعمارة القصور، في ما قبل الحكم الاموي، لا يعني بالضرورة، عدم تأثر عمارة القصور الاموية، ببيئة الخطاب المعماري، السائدة قبل ذلك الحكم. وهو ما سعينا وراء الاشارة اليه تواً، من إن اي نجاح في اية"نوعية" من المباني، سيسحب وراءه نجاحاً مماثلاً في أنواع آخرى. ونضيف الى ذلك، ايضاً، بأن اي نجاح في جنس إبداعي، يفرض بشكل وبآخر تبعاته على تقدم أجناس إبداعية آخرى، تتعايش معه وتتفاعل ضمن مؤشرات المكان والزمان المحددين.
والآن، ماهي طبيعة العمارة المنتجة قبل الحكم الاموي وخصائصها التى ستؤثر لاحقاً على منتج العمارة الاموية، بصورة عامة، وعلى منتج عمارة القصور الاموية، بشكل خاص؟.
قد يكون جواب هذا التساؤل، ينطوي على سهولة ووضوح، للوهلة الاولى؛ نظراً لتوفر قراءات عديدة، اغلبها تعود الى باحثيين غربيين، تناولت تلك الفترة بكثير من الدراسات الشاملة والتفصيلية، إن كانت من الناحية التاريخية او الفنية او المعمارية، يضاف الى ذلك عدداً آخرا من الدراسات العربية، المحتذية بشكل عام، إطروحات الكتاب الغربيين، والتى تعرضت، ايضاً، لهذه الفترة. لكن هذه السهولة وذاك الوضوح، يبدوان كذلك فقط عند النظرة الاولى، السريعة وغير المتساءلة. أما أذا كان ألامر يسعى وراء إعادة تقييم ما كتب، وينزع الى مساءلة تلك الطروحات، التى لفرط إنتشارها وتكرارها امست جزءاً من "حقيقة" مكتسبة، فان ألامر سيكون مشوباً بالتعقيد، وستظهر كثير من الشكوك في صدقية تلك الاطروحات. ناهيك أن معظم أطروحات تلك الدراسات الغربية والعربية على سواء، المنتشرة والمعروفة في الخطاب النقدي الفني والمعماري، تعود الى فترات زمنية ماضية، لم يثبت الزمن اللاحق صدقية الكثير من عناصرها. كما إن أدبيات النقد المعاصر وادوات تحليله تجاوزا كثيراً المنطلقات الفكرية التى اعتمدتها تلك الاطروحات. هذا فضلاً، على ما وفرته مدارس نقد ما بعد الحداثة في تفكيك مفهوم "التمركز الثقافي"، التمركز الغربي على وجه الخصوص، الذي استمدت منه تلك الاطروحات يقينيتها، تلك اليقينية المحتفية بآحاديةالتفكير، والطاردة لتعدديته.
إن أطروحات لإسماء معروفة، في الشأن المعماري والفني، إبان تلك الفترة التى نتحدث عنها، وما بعدها، وما تمخض من نتائج أُعتمدت في فهم انجازات العمارة الاسلامية وفنونها، لاحقاً، ما برحت تمثل للكثيرين مرجعاً مهماً، لا يمكن الاستغناء عنه، فضلا على مقاربات الكثير من الباحثين العرب.
بالطبع، لا يمكن التقليل من أهمية ما اجترحه كثر من الباحثيين الغربيين والعرب على حد سواء، فيما يخص العمارة الاسلامية وما قبلها. ولولا عملهم ودأبهم وشجاعتهم، وحسن اهتمامهم بموضوعهم المهني، فمن الصعب بمكان تصور بلوغنا المستوى الذي بلغته الدراسات الخاصة بالعمارة الاسلامية. وخصوصاً ذلك الجهد الممّيز في الدراسات الوصفية للشواهد المعمارية، وأعمال مسحها ورسمها وتخطيطها وتوثيقها من مواقعها مباشرة؛ في وقت لم يكن احد يهتم بها، أو يجرؤ على القيام بمثل ما قام به اؤلئك العلماء الدراسيين. لقد وفروا بعملهم المهم والضروري وعالي المهنية، المادة العلمية والتوثيقية للكثير من الباحثيين، وشجعوا القيام بمثل تلك الدراسات. "ولهؤلاء العلماء، فوق ذلك –كما يقول احمد فكري- أفضال كثيرة، أخص منها رعايتهم للآثار الاسلامية، وتدخلهم لدى الهيئات المسئولة في حكومات الدول العربية، للعمل على حفظ تلك الآثار، وإظهار ما خفى عنها، وتدعيم ما هوى فيها، وتوجيه النظر اليها، والدعاية لها وإثارة الاهتمام بها." (أحمد فكري، مساجد القاهرة ومدارسها، المدخل، القاهرة، 1961، ص. 8). وكما اعتمد كثر من الباحثيين على تلك الرسوم والمخططات، فاننا نقرّ باننا سنعتمد عليها، ايضاً.
لكن ألامر ألان، وكما نود ان يتم، سيكون امراً مختلفاً لجهة التعاطي مع تلك المواد والوثائق العلمية الاولية. ذلك لان هذا التعاطي سيعتمد على مساءلة مقاربات الآخرين لهذا الموروث المعماري، وإعادة قراءته قراءة (وربما قراءآت)، نأمل أن تكون ذات صدقية، تستمدها من نتائج التقدم الحاصل في مدراس النقد المعاصر.□□

مستل من بحث واسع يقوم الكاتب باعداده في الوقت الحاضر.
د. خالد السلطاني
مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون


أرشيف المدونة

المسجد النبوي الشريف - جولة إفتراضية ثلاثية الأبعاد

About This Blog


Labels